دَمْعٌ جرَى فقضَى في الرَّبْعِ ما وجَبَا … لأهلِهِ وشَفَى أنّى ولا كَرَبَا

عُجْنا فأذهَبَ ما أبْقَى الفِراقُ لَنا … منَ العُقُولِ وما رَدّ الذي ذَهَبَا

سَقَيْتُهُ عَبَراتٍ ظَنّهَا مَطَراً … سَوائِلاً من جُفُونٍ ظَنّها سُحُبَا

دارُ المُلِمِّ لها طَيفٌ تَهَدّدَني … لَيلاً فَما صَدَقتْ عَيني ولا كَذَبَا

أنْأيْتُهُ فَدَنا، أدْنَيْتُهُ فنَأى، … جَمّشْتُهُ فَنَبَا، قَبّلْتُهُ فأبَى

هامَ الفُؤادُ بأعرابِيّةٍ سَكَنَتْ … بَيْتاً من القلبِ لم تَمدُدْ له طُنُبَا

مَظْلُومَةُ القَدّ في تَشْبيهِهِ غُصُناً … مَظلُومَةُ الرّيقِ في تَشبيهِهِ ضَرَبَا

بَيضاءُ تُطمِعُ في ما تحتَ حُلّتِها … وعَزّ ذلكَ مَطْلُوباً إذا طُلِبَا

كأنّها الشّمسُ يُعْيي كَفَّ قابضِهِ … شُعاعُها ويَراهُ الطّرْفُ مُقْتَرِبَا

مَرّتْ بنا بَينَ تِرْبَيْها فقُلتُ لَها … من أينَ جانَسَ هذا الشّادِنُ العَرَبَا

فکستَضْحَكَتْ ثمّ قالتْ كالمُغيثِ يُرَى … ليثَ الشَّرَى وهوَ من عِجْلٍ إذا انتسبَا

جاءتْ بأشجعِ مَن يُسمى وأسمحِ مَن … أعطَى وأبلغِ مَنْ أملى ومَنْ كَتَبَا

لوْ حَلّ خاطرُهُ في مُقْعَدٍ لمَشَى … أو جاهلٍ لصَحا أو أخرَسٍ خَطَبَا

إذا بَدا حَجَبَتْ عَيْنَيكَ هَيْبَتُهُ … وليسَ يحجبُهُ سِترٌ إذا احتَجَبَا

بَياضُ وَجْهٍ يُريكَ الشّمسَ حالكةً … ودُرُّ لَفظٍ يُريكَ الدُّرَّ مَخْشَلَبَا

وسَيفُ عَزْمٍ تَرُدّ السّيفَ هِبّتُهُ … رَطْبَ الغِرارِ منَ التأمُورِ مُختَضِبَا

عُمرُ العَدوّ إذا لاقاهُ في رَهَجٍ … أقَلُّ مِنْ عُمْرِ ما يَحْوِي إذا وَهَبَا

تَوَقَّهُ فَمَتى ما شِئْتَ تَبْلُوَهُ … فكُنْ مُعادِيَهُ أوْ كُنْ له نَشَبَا

تَحْلُو مَذاقَتُهُ حتى إذا غَضِبَا … حالَتْ فلَوْ قطرَتْ في الماءِ ما شُرِبَا

وتَغْبِطُ الأرْضُ منها حيثُ حَلّ بهِ … وتَحْسُدُ الخيلُ منها أيَّها رَكِبَا

ولا يَرُدّ بفيهِ كَفّ سائِلِهِ … عن نَفسِهِ ويَرُدّ الجَحفَلَ اللّجِبَا

وكُلّما لَقيَ الدّينارُ صاحِبَهُ … في مُلكِه افترَقا من قبلِ يَصْطَحِبَا

مالٌ كأنّ غُرابَ البَينِ يَرْقُبُهُ … فكُلّما قيلَ هذا مُجْتَدٍ نَعَبَا

بَحْرٌ عَجائِبُهُ لم تُبْقِ في سَمَرٍ … ولا عَجائِبِ بحرٍ بَعدَها عَجَبَا

لا يُقْنِعُ ابنَ عليٍّ نَيْلُ مَنزِلَةٍ … يَشكُو مُحاوِلُها التّقصيرَ والتّعَبَا

هَزّ اللّواءَ بَنو عِجْلٍ بهِ فَغَدا … رأساً لهمْ وغَدا كُلٌّ لهُمْ ذَنَبَا

التّارِكينَ منَ الأشياءِ أهْوَنَها … والرّاكبينَ مِنَ الأشياءِ ما صَعُبَا

مُبَرْقِعي خَيلِهمْ بالبِيضِ مُتّخذي … هامِ الكُماةِ على أرماحِهِمْ عَذَبَا

إنّ المَنيّةَ لَوْ لاقَتْهُمُ وَقَفَتْ … خَرْقاءَ تَتّهِمُ الإقدامَ والهَرَبَا

مَراتِبٌ صَعِدَتْ والفِكْرُ يَتْبَعُها … فَجازَ وهْوَ على آثارِها الشُّهُبَا

مَحامِدٌ نَزَفَتْ شِعْري ليَمْلأها … فآلَ ما امتَلأتْ منْهُ ولا نَضَبَا

مَكارِمٌ لكَ فُتَّ العالمينَ بِهَا … مَنْ يَسْتَطيعُ لأمْرٍ فائِتٍ طَلَبَا

لمّا أقَمْتَ بإنْطاكِيّةَ اخْتَلَفَتْ … إليّ بالخَبرِ الرُّكْبانُ في حَلَبَا

فَسِرْتُ نَحْوَكَ لا ألْوي على أحَدٍ … أحُثّ راحلَتيَّ: الفَقْرَ والأدَبَا

أذاقَني زَمَني بَلْوَى شَرِقْتُ بها … لَوْ ذاقَها لَبَكَى ما عاشَ وانتَحَبَا

وإنْ عَمَرْتُ جَعَلْتُ الحرْبَ والدةً … والسّمْهَريَّ أخاً والمَشرَفيَّ أبَا

بكلّ أشعثَ يَلقى الموْتَ مُبْتَسِماً … حتى كأنّ لهُ في قَتْلِهِ أرَبَا

قُحٍّ يَكادُ صَهيلُ الخَيلِ يَقذِفُهُ … عن سرْجِهِ مَرَحاً بالعِزّ أو طَرَبَا

فالمَوْتُ أعذَرُ لي والصّبرُ أجملُ بي … والبَرُّ أوْسَعُ والدّنْيا لِمَنْ غَلَبَا