بات والكأس في الظلام … في حديث ولا كلام

هي في صمتها تضيء … وهو في صمته يضام

شاعر أنفق الصّبا … من غرام إلى غرام

ذاهل النفس بالرؤى … عن حطام وذي حطام

وعن الفقر والغنى ، … وعن الحرب والسلام

بالشفاه التي طفا … بين أهدابها الأوام

بالغواني تطيعه … والغواني لها احتكام

بالشّذى وهو فائح، … والشذى وهو بالكمام

بالسحاب الذي يسحّ … وبالخادع الجهام

بالأغاريد ، والبلابل، … والنور، والخزام

حوله الكون في وغى … وهو والكون في وئام

ما له الآن وحده … ساكن العرق كالنيام

ساهر غير أنه … خادر الروح والعظام

صامت مثل كتبه … وكدنيا بلا أنام

أترى عضّه الطوى؟ … لا، ففي بيته طعام

لم تزل كأسه لديه … وفي كأسه مدام

وله تضحك البروق … ويبكي الحبا السجام

وله ترتعي الكواكب … في مسرح الظّلام

وله تلبس الرّبى … برد النور والغمام

وله يعبق الشّذى ، … وله تعصر المدام

وله يلمع النّدى ، … وله يسجع الحمام

وله الغادة المليحة … والفارس الهمام

كلّها ، كلّها له … وعلى غيره حرام

وهو ساه كأنما … بسواها له مرام

وجهه غير وجهه‍ … أم على وجهه لشام

كالتماثيل حوله … من نحاس ومن رخام

لا اكتئاب ولا رضّى … لا بكاء ولا ابتسام

ليله ما أمرّها … ليلة اليأس ألف عام

بقي الحسن إنما … مات في الشاعر الهيام

فإذا الكون عنده … جدث كلّه رمام