ألَمْ تَرَ تَغْلِيسَ الرّبيعِ المُبَكِّرِ، … وَمَا حَاكَ مِنْ وَشيِ الرّياضِ المُنَشَّرِ

وَسَرْعَانَ ما وَلّى الشّتاءُ، وَلَم يَقِفْ، … تَسَلُّلَ شَخْصِ الخائِفِ، المُتَنَكِّرِ

مَرَرْنا عَلى بَطْيَاسَ، وَهْيَ كأنّهَا … سَبَائِبُ عَصْبٍ، أوْ زَرَابيُّ عَبْقَرِ

كأنّ سُقُوطَ القَطْرِ فيها، إذا انثَنى … إلَيها، سُقُوطُ اللّؤلُؤِ المُتَحَدِّرِ

وفي أُرْجُوَانِيٍّ مِنَ النَّوْرِ أحْمَرٍ، … يُشابُ بإفْرِنْدٍ مِنَ الرّوْضِ أخضَرِ

إذا ما النّدى وافاهُ صُبحاً تَمَايَلَتْ … أعَاليهِ مِنْ دُرٍّ نَثِيرٍ، وَجَوْهَرِ

إذَا قَابَلَتْهُ الشّمسُ رَدّ ضِيَاءَهَا … عَلَيْهَا صِقَالُ الأُقْحُوَانِ المُنَوِّرِ

إذا عَطَفَتْهُ الرّيحُ قُلتُ: التِفَاتَةٌ … لعَلْوَةَ في جَادِيّهَا المُتَعَصْفِرِ

بنَفْسِيَ ما أبْدَتْ لَنَا، حينَ وَدّعتْ، … وَمَا كَتَمَتْ في الأتحَميّ المُسَيَّرِ

أتَى دونَهَا نأيُ البِلادِ، وَنَصُّنَا … سَوَاهِمَ خَيْلٍ، كالأعِنّةِ، ضُمَّرِ

وَلَمّا خَطَوْنا دِجلَةَ انصَرَمَ الهَوَى، … فلَمْ يَبْقَ إلاّ لِفْتَةُ المُتَذَكِّرِ

وَخَاطِرُ شَوْقٍ ما يَزَالُ يَهِيجُنا … لبادينَ مِنْ أهْلِ الشّآمِ، وَحُضَّرِ

بأحمَدَ أحمَدْنا الزّمانَ، وأسهَلَتْ … لَنَا هَضَبَاتُ المَطْلَبِ المُتَوَعِّرِ

فتًى إنْ يَفِضْ في ساحَةِ المَجدِ يحتَفِلْ، … وإنْ يُعطِ في حَظّ المَكَارِمِ يُكثِرِ

تَظُنُّ النّجُومَ الزُّهْرَ بِتْنَ خَلاَئِقاً … لأبْلَجَ مِنْ سِرّ الأعَاجِمِ، أزْهَرِ

هُوَ الغَيْثُ يَجْرِي من عَطاءٍ وَنَائِلٍ … عَلَيْكَ، فَخُذْ من صَيّبِ الغَيْثِ أوْ ذَرِ

وَلَما تَوَلّى البَحرَ، والجُودُ صِنْوُهُ، … غَدا البَحْرُ مِنْ أخلاقِهِ بَينَ أبحُرِ

أضَافَ إلى التّدْبِيرِ فَضْلَ شَجَاعَةٍ، … وَلاَ عزْمَ إلاّ للشّجاعِ المُدَبّرِ

إذا شَجَرُوهُ بالرّماحِ، تَكَسّرَتْ … عَوَامِلُها، في صَدْرِ لَيْثٍ غَضَنْفَرِ

غَدَوتَ على المَيْمُونِ صُبْحَاً، وإنّما … غَدا المَرْكَبُ المَيْمُونَ تحتَ المُظَفَّرِ

أطَلّ بِعَطْفَيْهِ، وَمَرّ كأنّما … تَشَرّفَ مِنْ هَادي حِصَانٍ مُشَهَّرِ

إذا زَمْجَرَ النُّوتيُّ، فَوْقَ عَلاتِهِ، … رَأيتَ خَطيباً في ذُؤابَةِ مِنْبَرِ

يَغُضّونَ دونَ الإشْتِيَامِ عُيُونَهُمْ، … وُفوقَ السّماطِ للعَظِيمِ المُؤمّرِ

إذا عَصَفَتْ فيهِ الجَنُوبُ اعتَلَى لَهاُ … جَنَاحَا عُقَابٍ، في السّماءِ، مُهَجِّرِ

إذا مَا انكَفَا في هَبوَةِ المَاءِ، خِلْتَهُ … تَلَفّعَ في أثْنَاءِ بُرْدٍ مُحَبَّرِ

وَحَوْلَكَ رَكّابُونَ للهَوْلِ، عاقَرُوا … كُؤوسَ الرّدى من دارِعينَ وَحُسّرِ

تَميلُ المَنَايَا حَيثُ مَالَتْ أكُفُّهُمْ، … إذا أصْلَتُوا حَدّ الحَديدِ المُذَكَّرِ

إذا رَشَقُوا بالنّارِ لمْ يَكُ رَشْقُهُمْ … ليُقْلِعَ، إلاّ عَنِ شِوَاءٍ مُقَتِّرِ

صَدَمتَ بهِهمْ صُهْبَ العثَانينَ، دونَهم … ضِرَابٌ كإيقادِ اللّظَى المُتَسَعِّرِ

يَسُوقُونَ أُسْطُولاً، كأنّ سَفينَهُ … سَحَائِبُ صَيْفٍ مِنْ جَهامِ وَمُمْطِرِ

كأنّ ضَجيجَ البَحرِ، بَينَ رِمَاحِهِمْ، … إذا اختَلَفَتْ تَرْجيعُ عَوْدٍ مُجَرْجِرِ

تُقَارِبُ مِنْ زَحْفَيْهِمِ، فكأنّما … تُؤلّفُ مِنْ أعْنَاقِ وَحْشٍ مُنَفَّرِ

فَمَا رُمْتَ حتّى أجلَتِ الحرْبُ عن طُلًى … مُقَطَّعَةٍ فيهِمْ، وَهامٍ مُطَيَّرِ

على حينَ لا نَقْعٌ يطَوّحُهُ الصَّبَا، … وَلاَ أرْضَ تُلْفَى للصّرِيعِ المُقَطَّرِ

وكنتَ ابنَ كِسْرَى قبلَ ذاكَ وَبَعْدَهُ، … مَليّاً بأنْ تُوهي صَفاةَ ابنِ قَيصَرِ

جَدَحتَ لَهُ المَوْتَ الذُّعَافَ فعَافَهُ، … وَطارَ على ألْوَاحِ شَطْبٍ مُسَمَّرِ

مضَى وَهوَ مَوْلى الرّيحِ يَشكُرُ فَضْلها … عَلَيهِ، وَمَن يُولَ الصّنيعَةَ يَشكُرِ

إذا المَوجُ لم يَبْلُغْهُ إدْرَاكَ عَيْنِهِ … ثَنى في انحدارِ المَوجِ لحظَةَ أخزرِ

تَعَلّقَ بالأرضِ الكَبِيرَةِ، بَعد مَا … تَنَقّصَهُ جَرْيُ النّدَى المُتَمَطِّرِ

وَكُنّا متى نَصْعَدْ بِجِدّكَ نُدْرِكِ الـ … ـمَعَالِي، وَنَسْتَنْصِرْ بيُمنِكَ نُنصَرِ