تأمّل في أمسه الدابر … فكاد يجنّ من الحاضر

أهاج التذكّر أشجانه … و كم للسعادة من ذاكر .

فتى كان أنعم من جاهل … فأصبح أتعس من شاعر

أضاع الغنى و أضاع الصحاب … و ربّ مريض بلا زائر

و يا طالما أحدقوا بالفتى … كما تحدق الجند بالظافر

فلما انقضى مجده أعرضوا … و ما الناس إلا مع القادر

و ما الناس إلا عبيد القوي … فكن ذاك أو كن بلا شاكر

أشدّ من الدهر مكرا بنوه … فويل لمن ليس بالماكر

فكن بينهم خاتلا غادرا … و لا تشتك الغدر من غادر

تعيس تعانقه النائبات … عناق الحبائل للطائر

كثير الهموم بلا ناصر … كسير الفؤاد بلا جابر

قضى ليله ساهيا ساهرا … إلى كوكب مثله ساهر

يفتّش عن آفل في الثّرى … و ما كان في الأفق بالسافر

و تالله يجدي فتى بائسا … كلام المنجّم و الساحر

و لمّا تولّت دراري السماء … و غاب الهلال عن الناظر

بكى ، ثمّ صاح أحتّى النجوم … تصدّ عن الرجل العاثر ؟

إلى م أعاند هذا الزمان … عناد السفينة للزاجر

و أدعو و ما ثمّ من سامع ، … و أشكو ، و لكن إلى ساخر

و أرجو الوفاء و تأبى النفوس … و أنّى الولادة للعاقر

سئمت الحياة فليت الحمام … يعيد إلى أصله سائري

فتنطلق النّفس من سجنها … و يسجن تحت الثّرى ظاهري

وزاد سواد الدّجى يأسه … وقد كاد يسفر عن باهر

فشاء التخلّص من دهره … الخؤون ، و من عيشه الحازر

فأغمد في صدره مديه … أشدّ مضاء من الباتر

و كم مثله قد قضى نحبه … شهيد التّأمل في الغابر