آخِرُ مَا المَلْكُ مُعَزّىً بِهِ … هذا الذي أثّرَ في قَلْبِهِ

لا جَزَعاً بَلْ أنَفاً شابَهُ … أنْ يَقْدِرَ الدّهْرُ على غَصْبِهِ

لَوْ دَرَتِ الدّنْيَا بمَا عِنْدَهُ … لاستَحيَتِ الأيّامُ من عَتبِهِ

لَعَلّهَا تَحْسَبُ أنّ الذي … لَيسَ لَدَيهِ لَيسَ من حِزْبِهِ

وَأنّ مَنْ بَغدادُ دارٌ لَهُ … لَيسَ مُقيماً في ذَرَا عَضْبِهِ

وَأنّ جَدّ المَرْءِ أوْطانُهُ … مَن لَيسَ منها لَيسَ من صُلبِهِ

أخَافُ أنْ تَفْطَنَ أعْداؤهُ … فيُجْفِلُوا خَوْفاً إلى قُرْبِهِ

لا بُدّ للإنْسانِ من ضَجعَةٍ … لا تَقْلِبُ المُضْجَعَ عن جَنبِهِ

يَنسى بها ما كانَ مِن عُجْبِهِ … وَمَا أذاقَ المَوْتُ من كَرْبِهِ

نحنُ بَنُو المَوْتَى فَمَا بالُنَا … نَعَافُ مَا لا بُدّ من شُرْبِهِ

تَبْخَلُ أيْدينَا بِأرْوَاحِنَا … على زَمَانٍ هيَ من كَسْبِهِ

فَهَذِهِ الأرْوَاحُ منْ جَوّهِ … وَهَذِهِ الأجْسامُ مِنْ تُرْبِهِ

لَوْ فكّرَ العاشِقُ في مُنْتَهَى … حُسنِ الذي يَسبيهِ لم يَسْبِهِ

لم يُرَ قَرْنُ الشّمسِ في شَرْقِهِ … فشَكّتِ الأنْفُسُ في غَرْبِهِ

يَمُوتُ رَاعي الضّأنِ في جَهْلِهِ … مِيتَةَ جَالِينُوسَ في طِبّهِ

وَرُبّمَا زَادَ على عُمْرِهِ … وَزَادَ في الأمنِ على سِرْبِهِ

وَغَايَةُ المُفْرِطِ في سِلْمِهِ … كَغَايَةِ المُفْرِطِ في حَرْبِهِ

فَلا قَضَى حاجَتَهُ طالِبٌ … فُؤادُهُ يَخفِقُ مِنْ رُعْبِهِ

أستَغْفِرُ الله لشَخْصٍ مضَى … كانَ نَداهُ مُنْتَهَى ذَنْبِهِ

وَكانَ مَنْ عَدّدَ إحْسَانَهُ … كأنّمَا أفْرَطَ في سَبّهِ

يُرِيدُ مِنْ حُبّ العُلَى عَيْشَهُ … وَلا يُريدُ العَيشَ من حُبّهِ

يَحْسَبُهُ دافِنُهُ وَحْدَهُ … وَمَجدُهُ في القبرِ مِنْ صَحْبِهِ

وَيُظْهَرُ التّذكيرُ في ذِكْرِهِ … وَيُسْتَرُ التأنيثُ في حُجْبِهِ

أُخْتُ أبي خَيرِ أمِيرٍ دَعَا … فَقَالَ جَيشٌ للقَنَا: لَبّهِ

يا عَضُدَ الدّوْلَةِ مَنْ رُكْنُها … أبُوهُ وَالقَلْبُ أبُو لُبّهِ

وَمَنْ بَنُوهُ زَينُ آبَائِهِ … كأنّهَا النّوْرُ عَلى قُضْبِهِ

فَخْراً لدَهْرٍ أنْتَ مِنْ أهْلِهِ … وَمُنْجِبٍ أصْبَحتَ منْ عَقْبِهِ

إنّ الأسَى القِرْنُ فَلا تُحْيِهِ … وَسَيْفُكَ الصّبرُ فَلا تُنْبِهِ

ما كانَ عندي أنّ بَدْرَ الدّجَى … يُوحِشُهُ المَفْقُودُ من شُهْبِهِ

حاشاكَ أن تَضْعُفَ عن حَملِ ما … تَحَمّلَ السّائِرُ في كُتْبِهِ

وَقَدْ حَمَلْتَ الثّقلَ من قَبْلِهِ … فأغنَتِ الشّدّةُ عَنْ سَحْبِهِ

يَدْخُلُ صَبرُ المَرْءِ في مَدْحِهِ … وَيَدْخُلُ الإشْفَاقُ في ثَلْبِهِ

مِثْلُكَ يَثْني الحُزْنَ عن صَوْبِهِ … وَيَستَرِدّ الدّمعَ عن غَرْبِهِ

إيمَا لإبْقَاءٍ عَلى فَضْلِهِ؛ … إيمَا لتَسْليمٍ إلى رَبّهِ

وَلم أقُلْ مِثْلُكَ أعْني بِهِ … سِواكَ يا فَرْداً بِلا مُشْبِهِ