ليطرب من شاء أن يطربا … فلست بمستمطر خلّبا

عرفت الزمان قريب الأذى … فصرت إلى خوفه أقربا

و هذا الجديد أبوه القديم … و لا تلد الحيّة الأرنبا

أرى الكون يرمقه ضاحكا … كمن راء تيه كوكبا

و لو علم الخلق ما عنده … أهلّوا إلى الله كي يغربا

و لو علم العيد ما عندهم … أبى أن يمزّق عنه الخبا

ألا لا يغرّك تهليهم … و قولتهم لك يا مرحبا

فقد لبّسوك لكي يخلعوك … كما تخلع القدم الجوربا

و لوعون بالغدر من طبعهم … فمن لم يكن غادرا جرّبا

و كائن فتى هزّني قوله … أنا خدنك الصّادق المجتبى

أرافق من شكله ضيغما … يرافق من نفسه ثعلبا

هم القوم أصحبهم مكرها … كما يصحب القمر الغيهبا

أراني أوحد من ناسك … على أنّني في عداد الدبى

و أمرح في بلد عامر … و أحسبني قاطنا سبسبا

و قال خليلي : الهناء القصور … ىو كيف و قد ملئت أذؤبا

ألفت الهموم فلو أنّني … قدرت تمنّعت أن أطربا

كأنّ الجبال على كاهلي … كأنّ سروري أن أغضبا

و كيف ارتياح أخي غربة … يصاحب من همه عقربا

عتبت على الدهر لو أنّني … أمنت فؤادي أن يعتبا

و جدتك و الشّيب في مفرقي … وودّعني و أخوك الصّبي

فليس بكائي عاما خلا … و لكن شبابي الذي غيّبا

فيا فرحا بمجيء السنين … تجيء السنون لكي تذهبا

عجيب مشيبي قلب الأوان … و أعجب أن لا أرى أشيبا

فإنّ نوائب عاركتها … تردّ فتى العشر محدودبا

ويا بنت ” كولمب ” كم تضحكين … كأنّك أبصرت مستغربا

أليس البياض الذي تكرهين … يحبّبني ثغرك الأشنبا

فمن كان يكره إشراقه … فإنّي أكره أن يخضبا

أحبّك يا أيّها المستنير … و إن تك أشمتّ بي الرّبربا

و أهوى لأجلك لمع البروق … و أعشق فيك أقاح الرّبى

و يا عام هل جئتنا محرما … فنرجوك أم جئتنا محربا

تولّى أخوك وقد هاجها … أقلّ سلاح بنيها الظبى

يجندل فيها الخميس الخميس … و يصطرع المقنب المقنبا

إذا ارتفع الطرف في جوّها … رأى من عجاجتها هيدبا

وجيّاشه برقها رعدها … تدكّ من الشّاهق المنكبا

يسير بها الجند محموله … قضاء على عجل ركبا

يودّ الفتى أنّه هارب … و يمنعه الخوف أن يهربا

و كيف النجاة و مقذوفها … و يطول من الشرق من غرّبا ؟

و لو أنّه فلو أنّ تهتانها … حيا أنبت القاحل المجدبا

فما المنجنيق و أحجاره … و ما الماضيات الرقاق الشبا ؟

أإن شكت الأرض حرّ الصّدى … سقاها النجيع الورى صيّبا

فيا للحروب و أهوالها … أما حان يا قوم أن تشجبا

هو الموت آت على رغمكم … فألقوا المسدّس و الأشطبا

و للخالق الملك و المالكون … فلا تتبعوا فيكم أشعبا

و لم أنس مصرع ” تيتانيك ” … و مصرعنا يوم طار النبا

فمن شدّة الهول في صدقه … رغبنا إلى ” البرق ” أن يكذبا

ليالي لا نستطيب الكرى … و لا نجد الماء مستعذبا

و بات فؤادي ، به صدعها … و بتّ أحاذر أن يرأبا

و لي ناظر غرق مثلها … من الدّمع بالبحر مستوثبا

إذا ما تذكرتها هجت بي … أسى تتّقيه الحشا مخلبا

فأمسي على كبدي راحتي … أخاف مع الدّمع أن تسربا

خطوب يراها الورى مثلها … لذلك أشفق أن تكتبا

لقد نكب الشّرق نكباته … و حاول أن ينكب المغربا

و أشقى نفوس بني آدم … ليرضى السّراحين و الأعقبا

و لو جاز بين الضّحى و الدجى … لقاتل فيه الضّحى الغيهبا

لعلّلك تمحو جناياته … فننسى بك الذّنب و المذنبا

إذا كنت لا تستطيع الخلود … فعش بيننا أثرا طيّبا

فإنّك في إثره راحل … مشيت السّواك أو الهيدبى