يا نفس لو كنت ترين الشؤون … كما يراها سائر الناس

لما رماني بعضهم بالجنون … ولم أجد في الناس من باس

بالأمس مرّ الوكب الأكبر … فيه الفتى الراكب والناعل

وأقبلت غيد الحمى تخطر … يهتفن: عاد البطل الباسل

ما لك يا هذه لا تهتفين … لصاحب الدولة والباس؟

فقلت لي ضاحكة تسخرين: … ويلك هذا قاتل الناس

ومجلس دارت به الكؤوس … فشرب القوم ولم تشربي

وامتلأت بالطرب الأنفس … وأنت في صمتك لم تطربي

كأنّما غيّبك الحندس … أو تاهت اللذّات في سبسب

ما لك يا هذه لا تضحكين … للحبب الضاحك في الكاس؟

قالت : نهاني أنّ موج السنين … سيغمر الأقداح والحاسي

وسرت في الروضة شاع الجمال … فيها، وشاع الحبّ بين الطيور

ألطلّ فيها كدموع الدلال … والشوك فيها كحديث الغرور

مشيت في أرجائها كالخيال … يطوف في الظلماء بين القبور

كأنّما لا ورد في الياسمين … كأنّما لا عطر في الآس

ويحك لا في عزلتي تطربين … ولا إذا كنت مع الناس

كان زمان كنت تستأنسين … بكلّ وهم خادع كالسراب

حتى إذا أسفر وجه اليقين … رأيته كالوهم شيئا كذاب

دنيا الورى ليل وصبح مبين … وليس في دنياك إلاّ الضباب

ما لاحت الأشجار للناظرين … إلاّ رأيت شبح الفاس

ولا سمعت الكاس ذات الرنين … إلا سمعت حطمة الكاس

مسخت في عينّي لوت النهار … لّما لمحت الليل بالمرصد

ومات في إذنّي لحن الهزار … لّما سبقت الصمت للمنشد

فررت باللّذات قبل الفرار … فضاع يومي حائرا في غدي

خالفت مقياس الورى أجمعين … فكيف يرضون بمقياسي؟

ما برح الناس كما تعلمين … ولم أزل فردا من الناس