يا عبرة الدهر جاوزت المدى فينا … حتى ليأنف أن ننعاه ماضينا

فالسهل قد دفنت فيه معاقلنا … والبحر قد فقدت فيه جوارينا

وانثل من عزنا ما عز مطلبه … واندك من مجدنا ما شاد بانينا

وعد ذنبا علينا ما يشرفنا … وعد رفع لنا ما بات يدنينا

فاز القوي علينا في تضاؤلنا … والحق أعلى ولكن ليس يغنينا

لا فخر أن يغلب الأقوى مناضلة … بل أن يدين ضعيف مثلما دينا

يا دهر إن كنت لم تمهل شبيبتنا … حتى ادلت انحطاطا من معالينا

فأنت خير مرب للأولى جهلوا … كجهلنا ان ترك الحزم يشفينا

فزد مصائبنا حتى تنبهنا … تكن حياة لنا من حيث ترينا

فلم تجئهم علاهم من شوامخهم … ولم يجيء خفضنا من خفض وادينا

كانت عمالتنا الدنيا باجمعها … والقول والفعل في الأقطار ماشينا

إذا التي أرضعتها ذئبة فإدت … روما تصدت تبارينا فتبرينا

حتى رمتنا بداهي الظفر طاغية … فتى دهاء وبأس جاء يفنينا

في فتية من بني الرومان قد ألفوا … نار الوغى فحكوا فيها الشياطينا

أردوا عساكرنا أخلو دساكرنا … هدوا منارنا طاغين باغينا

ولم يكن جندنا إلا قساورة … أبلوا بلاء الصناديد الأشدينا

لكن صرفا من المقدور غالبهم … فما نجا منهم غير الأقلينا

ما بالنا بعد أن دكت مدينتنا … وامتد حكم العادي في نواحينا

صرنا حيارى سكارى من تخاذلنا … وأسعفتهم يدانا في تلاشينا

وأصبحت دارنا والكون تابعها … مثوى لهم ومواليهم موالينا

تالله ما غلبونا حيث باسلنا … قضى قتيلا ونالوا من نواصينا

لكنهم غلبونا حين ملكهم … أزمة الأمر شادينا وراضينا

فما هم بأعادينا … خلائقنا هي التي أصبحت أعدى أعادينا

أليوم روما هي الدنيا وصولتها … تنافس الأرض توطيدا وتمكينا

وما أثنية إلا معقل خرب … نجيل أصفادنا فيه مذالينا