وَلَمّا رَمى بِالأَربَعينَ وَراءَهُ … وَقارَعَ مِ الخَمسينَ جَيشاً عَرَمرَما

تَذَكَّرَ مِن عَهدِ الصِبا ما تَصَرَّما … وَحَنَّ فَلَم يَترُك لِعَينَيهِ مُسجَما

وَجَرَّ خِطاماً أَحكَمَ الشَيبُ عَقدَهُ … وَقَدَّمَ رِجلاً لَم تَجِد مُتَقَدَّما

وَأَنكَرَ إِغفالَ العُيونِ مَكانَهُ … وَقَد كُنَّ مِن أَشياعِهِ حَيثُ يَمَّما

هُوَ الدَهرُ لا يُعطيكَ إِلّا تَعِلَّةً … وَلا يَستَرِدُّ العُرفَ إِلّا تَغَنُّما

عَزاءً عَنِ الأَمرِ الَّذي فاتَ نَيلُهُ … وَصَبراً إِذا كانَ التَصَبُّرُ أَحزَما

فَلَم أَرَ مِثلَ الشَيبِ لاحَ كَأَنَّهُ … ثَنايا حَبيبٍ زارَنا مُتَبَسِّما

فَلَما تَراءَتهُ العُيونُ تَوَسَّمَت … بَديهَةَ أَمرٍ تَذعَرُ المُتَوَسِّما

فَلا وَأَبيكَ الخَيرِ ما اِنفَكَّ ساطِعٌ … مِنَ الشَيبِ يَجلو مِن دُجى اللَيلِ مُظلِما

إِلى أَن أَعادَ الدُهمَ شُهباً وَلَم يَدَع … لَنا مِن شِياتِ الخَيلِ أَقرَحَ أَرثَما

هَلِ الشَيبُ إِلّا حِليَةٌ مُستَعارَةٌ … وَمُنذِرُ جَيشٍ جاءَنا مُتَقَدِّما

فَها أَنا مِنهُ حاسِرٌ مُتَعَمِّمٌ … وَلَم أَرَ مِثلي حاسِراً مُتَعَمِّما

كَأَنَّ مَكانَ التاجِ سِلكاً مُفَصَّلاً … بِنَورِ الخُزامى أَو جُماناً مُنَظَّما

وَضِيءٌ كَنَصلِ السَيفِ إِن رَثَّ غِمدُهُ … إِذا كانَ مَصقولَ الغِرارَينِ مِخذَما

إِذا لَم يَشِب رَأسٌ عَلى الجَهلِ لَم يَكُن … عَلى المَرءِ عارٌ أَن يَشيبَ وَيَهرَما

خَليلَيَّ كُرّاً ذِكرَ ما قَد تَقَدَّما … وَإِن هاجَتِ الذِكرى فُؤاداً مُتَيَّما

فَإِن حَديثَ اللَهوِ لَهوٌ وَرُبَّما … تَسَلّى بِذِكرِ الشَيءِ مَن كانَ مُغرَما

خَليلَيَّ مِن فَرعَي قُرَيشٍ رُزيتُما … فَتىً قارَعَ الأَيّامَ حَتّى تَثَلَّما

وَأَحكَمُهُ التَجريبُ حَتّى كَأَنَّما … يُعايِنُ مِن أَسرارِهِ ما تَوَهَّما

وَمَن ضَعُفَت أَعضاؤُهُ اِشتَدَّ رَأيُهُ … وَمَن قَوَّمَتهُ الحادِثاتُ تَقَوَّما

خُذا عِظَةً مِن أَحوَذِيٍّ تَقَلَّبَت … بِهِ دُوَلُ الأَيّامِ بُؤساً وَأَنعُما

إِذا رَفَعَ السُلطانُ قَوماً تَرَفَّعوا … وَإِن هَدَمَ السُلطانُ مَجداً تَهَدَّما

إِذا ما اِمرُؤٌ لَم يُرشِدِ العِلمُ لَم يِجِد … سَبيلَ الهُدى سَهلاً وَإِن كانَ مُحكَما

وَلَم أَرَ فَرعاً طالَ إِلّا بِأَصلِهِ … وَلَم أَرَ بَدءَ العِلمِ إِلّا تَعَلُّما

وَمَن قارَعَ الأَيّامَ أَوفَرَ لُبَّهُ … وَمَن جاوَرَ الفَدمَ العَيِيَّ تَفَدَّما

وَلَم أَرَ أَعدى لِاِمرِئٍ مِن قَرابَةٍ … وَلا سِيَّما إِن كانَ جاراً أَوِ اِبنَما

وَمَن طَلَبَ المَعروفَ مِن غَيرِ أَهلِهِ … أَطالَ عَناءً أَو أَطالَ تَنَدُّما

وَمَن شَكَرَ العُرفَ اِستَحَقَّ زِيادَةً … كَما يَستَحِقُّ الشُكرَ مَن كانَ مُنعِما

وَمَن سامَحَ الأَيّامَ يَرضَ حَياتَهُ … وَمَن مَنَّ بِالمَعروفِ عادَ مُذَمَّما

وَمَن نافَسَ الإِخوانَ قَلَّ صَديقُهُ … وَمَن لامَ صَبّاً في الهَوى كانَ أَلوَما

أَما وَأَميرِ المُؤمِنينَ لَقَد رَمى ال … عَدُوَّ فَلا نِكساً وَلا مُتَهَضِّما

وَلا ناسِياً ما كانَ مِن حُسنِ رَأيِهِ … لِخُطَّةِ خَسفٍ سامَنيها مُحَتِّما

عُلوقاً بِأَسبابِ النَبِيِّ وَإِنَّما … يُحِبُّ بَني العَبّاسِ مَن كانَ مُسلِما

لَعَلَّ بَني العَبّاسِ يَأسو كُلومَهُم … فَيَجبُرَ مِنّي هاشِمٌ ما تَهَشَّما