مُنًى كُنّ لي أنّ البَياضَ خِضابُ … فيَخفَى بتَبييضِ القُرونِ شَبَابُ

لَيَاليَ عندَ البِيضِ فَوْدايَ فِتْنَةٌ … وَفَخْرٌ وَذاكَ الفَخْرُ عنديَ عابُ

فكَيْفَ أذُمُّ اليَوْمَ ما كنتُ أشتَهي … وَأدْعُو بِمَا أشْكُوهُ حينَ أُجَابُ

جلا اللّوْنُ عن لوْنٍ هدى كلَّ مسلكٍ … كمَا انجابَ عن ضَوْءِ النّهارِ ضَبابُ

وَفي الجسْمِ نَفسٌ لا تَشيبُ بشَيْبِهِ … وَلَوْ أنّ مَا في الوَجْهِ منهُ حِرَابُ

لهَا ظُفُرٌ إنْ كَلّ ظُفْرٌ أُعِدُّهُ … وَنَابٌ إذا لم يَبْقَ في الفَمِ نَابُ

يُغَيِّرُ مني الدّهرُ ما شَاءَ غَيرَهَا … وَأبْلُغُ أقصَى العُمرِ وَهيَ كَعابُ

وَإنّي لنَجْمٌ تَهْتَدي صُحبَتي بِهِ … إذا حالَ مِنْ دونِ النّجومِ سَحَابُ

غَنيٌّ عَنِ الأوْطانِ لا يَستَخِفُّني … إلى بَلَدٍ سَافَرْتُ عنهُ إيَابُ

وَعَنْ ذَمَلانِ العِيسِ إنْ سامَحتْ بهِ … وَإلاّ فَفي أكْوَارِهِنّ عُقَابُ

وَأصْدَى فلا أُبْدي إلى الماءِ حاجَةً … وَللشّمسِ فوقَ اليَعمَلاتِ لُعابُ

وَللسرّ مني مَوْضِعٌ لا يَنَالُهُ … نَديمٌ وَلا يُفْضِي إلَيْهِ شَرَابُ

وَللخَوْدِ منّي ساعَةٌ ثمّ بَيْنَنَا … فَلاةٌ إلى غَيرِ اللّقَاءِ تُجَابُ

وَمَا العِشْقُ إلاّ غِرّةٌ وَطَمَاعَةٌ … يُعَرّضُ قَلْبٌ نَفْسَهُ فَيُصَابُ

وَغَيرُ فُؤادي للغَوَاني رَمِيّةٌ … وَغَيرُ بَنَاني للزّجَاجِ رِكَابُ

تَرَكْنَا لأطْرَافِ القَنَا كُلَّ شَهْوَةٍ … فَلَيْسَ لَنَا إلاّ بهِنّ لِعَابُ

نُصَرّفُهُ للطّعْنِ فَوْقَ حَوَادِرٍ … قَدِ انْقَصَفَتْ فيهِنّ منهُ كِعَابُ

أعَزُّ مَكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابحٍ … وَخَيرُ جَليسٍ في الزّمانِ كِتابُ

وَبَحْرُ أبي المِسْكِ الخِضَمُّ الذي لَهُ … عَلى كُلّ بَحْرٍ زَخْرَةٌ وَعُبابُ

تَجَاوَزَ قَدْرَ المَدْحِ حتى كأنّهُ … بأحْسَنِ مَا يُثْنى عَلَيْهِ يُعَابُ

وَغالَبَهُ الأعْداءُ ثُمّ عَنَوْا لَهُ … كمَا غَالَبَتْ بيضَ السّيوفِ رِقابُ

وَأكْثرُ مَا تَلْقَى أبَا المِسْكِ بِذْلَةً … إذا لم تَصُنْ إلاّ الحَديدَ ثِيَابُ

وَأوْسَعُ ما تَلقاهُ صَدْراً وَخَلْفَهُ … رِمَاءٌ وَطَعْنٌ وَالأمَامَ ضِرَابُ

وَأنْفَذُ ما تَلْقَاهُ حُكْماً إذا قَضَى … قَضَاءً مُلُوكُ الأرْضِ مِنه غِضَابُ

يَقُودُ إلَيْهِ طاعَةَ النّاسِ فَضْلُهُ … وَلَوْ لم يَقُدْهَا نَائِلٌ وَعِقَابُ

أيَا أسَداً في جِسْمِهِ رُوحُ ضَيغَمٍ … وَكَمْ أُسُدٍ أرْوَاحُهُنّ كِلابُ

وَيَا آخِذاً من دَهْرِهِ حَقَّ نَفْسِهِ … وَمِثْلُكَ يُعْطَى حَقَّهُ وَيُهابُ

لَنَا عِنْدَ هذا الدّهْرِ حَقٌّ يَلُطّهُ … وَقَدْ قَلّ إعْتابٌ وَطَالَ عِتَابُ

وَقَد تُحدِثُ الأيّامُ عِندَكَ شيمَةً … وَتَنْعَمِرُ الأوْقاتُ وَهيَ يَبَابُ

وَلا مُلْكَ إلاّ أنتَ وَالمُلْكُ فَضْلَةٌ … كأنّكَ سَيفٌ فيهِ وَهْوَ قِرَابُ

أرَى لي بقُرْبي منكَ عَيْناً قَريرَةً … وَإنْ كانَ قُرْباً بالبِعَادِ يُشَابُ

وَهَل نافِعي أنْ تُرْفَعَ الحُجبُ بَيْنَنا … وَدونَ الذي أمّلْتُ مِنْكَ حِجابُ

أُقِلُّ سَلامي حُبَّ ما خَفّ عَنكُمُ … وَأسكُتُ كَيمَا لا يَكونَ جَوَابُ

وَفي النّفسِ حاجاتٌ وَفيكَ فَطَانَةٌ … سُكُوتي بَيَانٌ عِنْدَها وَخِطابُ

وَمَا أنَا بالباغي على الحُبّ رِشْوَةً … ضَعِيفُ هَوًى يُبْغَى عَلَيْهِ ثَوَابُ

وَمَا شِئْتُ إلاّ أنْ أدُلّ عَوَاذِلي … عَلى أنّ رَأيي في هَوَاكَ صَوَابُ

وَأُعْلِمَ قَوْماً خَالَفُوني فشَرّقُوا … وَغَرّبْتُ أنّي قَدْ ظَفِرْتُ وَخَابُوا

جَرَى الخُلْفُ إلاّ فيكَ أنّكَ وَاحدٌ … وَأنّكَ لَيْثٌ وَالمُلُوكُ ذِئَابُ

وَأنّكَ إنْ قُويِسْتَ صَحّفَ قارِىءٌ … ذِئَاباً وَلم يُخطىءْ فَقالَ ذُبَابُ

وَإنّ مَديحَ النّاسِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ … وَمَدْحُكَ حَقٌّ لَيسَ فيهِ كِذابُ

إذا نِلْتُ مِنكَ الوُدّ فالمَالُ هَيّنٌ … وَكُلُّ الذي فَوْقَ التّرَابِ تُرَابُ

وَمَا كُنْتُ لَوْلا أنتَ إلاّ مُهاجِراً … لَهُ كُلَّ يَوْمٍ بَلْدَةٌ وَصِحَابُ

وَلَكِنّكَ الدّنْيَا إليّ حَبيبَةً … فَمَا عَنْكَ لي إلاّ إلَيْكَ ذَهَابُ