إلى روح الشاعر العربي الكبير

محمود درويش

هوامش على جدارية الرحيل

” لم ينتظر أحدا “

على باب القصيدة حين أيقظه الصعودُ

” لم ينتظر أحدا “

طوى أوراقه ومضى

إلى أبدية بيضاء

يألفها الخلودُ

هو عاشق

والعاشقون إذا تلوا آياتهم من غيبها

فاض النشيدُ

” لاشيء يوجعه على باب القيامة “

في مقام ( الأين )

” أصبح ما يريدُ “

هو في مدارات البصيرة

ينتقي لمجازه لغة

يعرّي سره في اللاوجود

يذوب في دمه الوجودُ

قالت قصيدته الأخيرة

ـ حين كان الموت قرب سريره غيما

وفي يده الورودُ ـ

قال : ” ياموت انتظرني خارج الأرض “

” انتظر ياموت ….. يا ظلي الذي سيقودني “

” فأنا الغريب بكل ما أوتيت من لغتي ” أنا

ضداي يتحدان في المعنى

فيأخذني القصيدُ

في الموت تكتمل الرؤى

ويذوب في اللاوقت

موعدنا البعيدُ

الموت أبعد من سؤالي

من خيالي

من رؤايْ

هو فكرة كالحب يهبط من سمايْ

وخطاه نحوي مثلما الريح التي

حفّت خطايْ

هو ما نراه ولا نراه

ولا نريدُ ولا يحيدُ

” لم ينتظر أحدا “

يودعه ليعرف ما يريدُ

قال الطبيب سمعت أحرفه الأخيرة :

قال : ها إني اكتملتُ

” ما دلني أحدٌ عليّ أنا الدليلُ

أنا الدليل إليّ بين البحر والصحراء

من لغتي ولدتُ “

وتلعثمت كلماته

فبكى وقال

” اسمي وإن أخطأت لفظ اسمي على التابوت لي

أما أنا ـ وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل

فلست لي

أنا لست لي

أنا لست لي “

لم ينتظر أحدا

غفا كفراشة بيضاء

بللها الشرودُ

” ريتا تغني وحدها “

والقدس يطعنها الجنودُ

ودم الشهيد موزع بين القبائل

بعد ما مات الشهودُ

لم ينتظر أحدا

طوى أحلامه خلف الزمنْ

ألقى التحية من بعيد للجميع

وقال من ألم دفين

” تصبحون على وطنْ “

المقاطع بين الأقواس من شعر محمود درويش بتصرف

أرى وجهي

وآخر ما رأى وجهي

ظلالي

في مرايا الماء ْ

كأن الماء ينبئ

بالرؤى قبلي

متى أبكي

متى أصحو

متى أمحو بقايا الريح

من صحراء ذاكرتي

متى تختارني الأسرار

في دوامة الأسماءْ

كأن الماء رب الشعر والشعراءْ

رأيت الآن وجهي في خفاياه

سمعت قصيدتي الأولى

وآخرَ ما كتبت الآن

حين شهقت غصت في فمي الآه

رأيت على جليد الصمت

ما لم أروه يوما

رأيت طفولتي

تومي

بسر الوقتْ

تغشتني الرؤى

أغمضت

عن وجهِ الرؤى عينيْ

وغبت على موانئ

عتمتي

فرأيت

ماشاءت مشيئة رحلتي

آنست

في غيب الرؤى مطرا

حملت قصائدي حجرا

إلى مالا يرى الراؤون

إلى حيث العمى

لأرى

فآخر ما رأيت الآن

وجهي فوق غمر البحر

يوقظ بي رؤى النسيان

أغيب يغيب

ينهض في دمي الماءُ

أعيد إليه ما خبأته عنه

كأني لم أكن فيه

ولا منه

أرى وجهي

ظلالا في أثير الريح

يمضي خلفه ألمي

أرى وجهي

أرى عدمي