لكمْ منيَ الوُدُّ الذي ليسَ يَبرَحُ … وَلي فيكُمُ الشّوْقُ الشّديدُ المُبرِّحُ

وكمْ ليَ مِن كُتْبٍ وَرُسلٍ إلَيكُمُ … ولكِنّها عن لَوْعَتي ليسَ تُفصِحُ

وَفي النّفْسِ ما لا أستَطيعُ أبثّهُ … ولَستُ بهِ للكُتبِ وَالرّسلِ أسمَحُ

زعمتمْ بأني قد نقضتُ عهودكمْ … لقد كذبَ الواشي الذي يتنصحُ

وَإلاّ فَما أدري عسَى كنتُ ناسِياً … عسَى كنتُ سكراناً عسَى كنتُ أمزَحُ

خلقتُ وفياً لا أرى الغدرَ في الهوى … وذلكَ خُلْقٌ عَنهُ لا أتَزَحزَحُ

سَلوا النّاسَ غيري عن وَفائي بعهدكم … فإني أرى شكري لنفسي يقبحُ

أأحبابَنا حتى مَتى وَإلى مَتى … أُعرِّضُ بالشكوَى لكمْ وَأُصرّحُ

حياتي وصبري مذ هجرتم كلاهما … غريبٌ وَدَمعي للغريبَينِ يَشرَحُ

رعى اللهُ طيفاً منكمُ باتَ مؤنسي … فما ضرَّهُ إذ باتَ لوْ كانَ يُصْبِحُ

ولكِنْ أتَى لَيلاً وَعادَ بسُحرَة ٍ … درى أنّ ضوءَ الصبحِ إن لاحَ يفضحُ

وَلي رَشَأٌ ما فيهِ قَدْحٌ لقادِحٍ … سِوَى أنّهُ منْ خدّهِ النّارُ تَقدَحُ

فتنتُ بهِ حلواً مليحاً فحدثوا … بأعجبِ شيءٍ كيفَ يحلو ويملحُ

تبرأ من قتلي وعيني ترى دمي … على خدهِ من سيفِ جفنيهِ يسفحُ

وحسبيَ ذاكَ الخدّ لي منهُ شاهدٌ … ولكنْ أراهُ باللّواحِظِ يُجرَحُ

ويَبسِمُ عَنْ ثَغْرٍ يَقُولونَ إنّهُ … حبابٌ على صهباءَ بالمسكِ تنفحُ

وقد شهدَ المسواكُ عندي بطيبهِ … ولم أرَ عَدْلاً وَهوَ سكرانُ يَطفَحُ

ويا عاذلِي فيهِ جَوَابُكَ حاضِرٌ … ولكن سكوتي عن جوابكَ أصلحُ

إذا كُنتُ ما لي في كَلامِيَ رَاحَة ٌ … فإنّ بَقائي ساكِتاً ليَ أرْوَحُ

وأسمرَ أما قدهُ فهوَ أهيفٌ … رشيقٌ وأما وجههُ فهوَ أصبحُ

كأنّ الذي فيهِ منَ الحسنِ والضيا … تَداخَلَهُ زَهْوٌ بهِ فَهوَ يَمْرَحُ

كأنّ نسيمَ الروضِ هزّ قوامهُ … ليخجلَ غصنَ البانة ِ المتطوحُ

كأنّ المدامَ الصرفَ مالتْ بعطفهِ … كمَا مالَ في الأرْجوحة ِ المترَجِّحُ

كأنّيَ قَدْ أنشَدْتُهُ مَدْحَ يوسُفٍ … فأطْرَبَهُ حتى انثَنَى يَتَرَنّحُ

وَإنّ مَديحَ النّاصِرِ بنِ مُحَمّدٍ … ليَصبو إلَيهِ كلُّ قلبٍ وَيَجنَحُ

مديحاً ينيلُ المادحينَ جلالة ً … وَمَدْحاً بمَدْحٍ ثمّ يَرْبو وَيَمْنَحُ

ولَيسَ بمُحتاجٍ إلى مَدْحِ مادِحٍ … مكارِمُهُ تُثْني علَيْهِ وَتَمدَحُ

وكلُّ فصيحٍ ألكنٌ في مديحهِ … لأنّ لسانَ الجودِ بالمدحِ أفصحُ

وقد قاسَ قومٌ جودَ يمناهُ بالحيا … وقد غَلِطوا، يُمناهُ أسخَى وَأسمحُ

وغيثٌ سمعتُ الناسَ ينتجعونهُ … فأينَ يرى غيلانُ منهُ وصيدحُ

لئنْ كانَ يَختارُ انْتِجاعَ بَلالِهِ … فإنّ بَلالاً عينُه تَتَرَشّحُ

دعوا ذكرَ كعبٍ في السماحِ وحاتمٍ … فليسَ يعدّ اليومَ ذاكَ التسمحُ

وليسَ صعاليكُ العريبِ كيوسفٍ … تعالوا نباهِ الحقَّ والحقُّ أوضحُ

فما يوسفٌ يقري بنابٍ مسنة ٍ … ولا العرقُ مفصودٌ ولا الشاة ُ تذبحُ

ولكنّ سلطاني أقلُّ عبيدهِ … يَتيهُ على كِسرَى المُلوكِ وَيرْجَحُ

وَبَعضُ عَطاياهُ المَدائِنُ والقُرَى … فمن ذا الذي في ذلك البحرِ يَسبَحُ

فلوْ سئلَ الدنيا رآها حقيرة ً … وجادَ بهَا سِرّاً وَلا يَتَبَجّحُ

وَإنّ خَليجاً مِنْ أياديهِ للوَرَى … يرى كلُّ بحرٍ عندهُ يتضحضحُ

فقلْ لملوكِ الأرضِ ما تلحقونهُ … لقد أتعبَ الغادي الذي يتروحُ

كثيرُ حَيَاءِ الوَجْهِ يَقطُرُ ماؤهُ … على أنّهُ مِن بأسِهِ النّارُ تَلفَحُ

كذا الليثُ قد قالوا حييٌّ وإنهُ … لأجرأُ مَن يُلقَى جَنَاناً وَأوْقَحُ

مناقبُ قد أضحى بها الدهرُ حالياً … فها عطفهُ منها موشى موشحُ

من النّفَرِ الغُرّ الذينَ وُجوهُهُمْ … مَصابيحُ في الظّلماءِ بَل هيَ أصبَحُ

بهاليلُ أملاكٌ كأنّ أكفهمْ … بحارٌ بها الأرزاقُ للناسِ تسبحُ

فكم أشرقتْ منهم شموسٌ طوالعٌ … وكم هطلتْ منهم سحائبُ دلحُ

كذاكَ بَنو أيّوبَ ما زالَ مِنهُمُ … عظيمٌ مرجى أو كريمٌ ممدحُ

أُناسٌ هُمُ سَنّوا الطّريقَ إلى العُلا … وهم أعربوا عنها وقالوا فأفصحوا

ولم يتبعوا من جاءَ في الناسِ بعدهم … لقد بينوا للسالكينَ وأوضحوا

ليهنَ دمشقَ اليومَ صحتكَ التي … بها فرحتْ والمدنُ كالناسِ تفرحُ

فلا زهرَ إلاّ ضاحكٌ متعطفٌ … وَلا دَوْحَ إلاّ مائِسٌ مُتَرَنِّحُ

ولا غصنَ إلاّ وهوَ نشوانُ راقصٌ … ولا طيرَ إلاّ وهوَ فرحانُ يصدحُ

وقد أشرقتْ أقطارها فاغتدى لها … شعاعٌ لهُ فوقَ المجرة ِ مطرحُ

وشرَّفْتَ مَغناها فلوْ أمكَنَ الوَرَى … لَطَافُوا بأرْكانٍ لهَا وَتَمَسّحُوا

وواللهِ ما زالتْ دمشقُ مليحة ً … ولكنّها عندي بكَ اليوْمَ أملَحُ

عرضتُ على خيرِ الملوكِ بضاعتي … فألْفَيْتُ سُوقاً صَفقتي فيه تَرْبَحُ

وقد وثقتْ نفسي بأني عندهُ … سأزدادُ عزاً ما بقيتُ وأفلحُ

وَأنّ خْطوباً أشتَكيها ستَنْجَلي … وَأنّ أُموراً أبْتَغيها سَتَنجَحُ

وأنّ صلاحَ الدينِ ذا المجدِ والعلا … لما أفسدتْ مني الحوادثُ يصلحُ

يُشرّقُ غَيري أوْ يُغرّبُ إنّني … لدى يوسفٍ في أنعمٍ لستُ أبرحُ

أمولايَ سامحني فإنكَ لم تزلْ … تُسامِحُ بالذّنْبِ العَظيمِ وَتَسمَحُ

لكَ العُذْرُ ما للقَوْلِ نحوَكَ مُرْتَقًى … مقامكَ أعلى من مقالي وأرجحُ

فَما كُلّ لَفظٍ في خِطابِكَ يُرْتَضى … وَما كلّ مَعنًى في مَديحِكَ يَصْلُحُ

أتَتْكَ وَإنْ كانَتْ كَثيراً تأخّرَتْ … فإنكَ تعفو عنْ كثيرٍ وتصفحُ

وَهَبْ ليَ أُنْساً منكَ يُذهِبُ وَحشتي … ويَبسُطُ قَلباً ذا انقِباضٍ وَيَشرَحُ

وجدْ لي بالقربِ الذي قد عهدتهُ … وأرضى ببعضٍ منهُ إن كنتُ أصلحُ

وإني لديكَ اليومَ في ألفِ نعمة ٍ … ولكنْ عسى ذكري ببالكَ يسنحُ

لعمركَ كلُّ الناسِ لاشكّ ناطقٌ … وَلكِنَّ ذا يَلغُو وَهذا يُسبِّحُ

وقد يحسنُ الناسُ الكلامَ وإنما … لسامعهِ فيهِ الشرابُ المفرحُ

نسيبٌ كما رقَّ النسيمُ من الصبا … وَغازَلَهُ زَهرُ الرّياضِ المُفَتّحُ

ومدحٌ يكونُ الدهرُ بعضَ رواتهِ … فيمسي ويضحي وهوَ يسري ويسرحُ