عجبا أتوحشني وأنت إزائي … وضياء وجهك ماليء سودائي

لكنه حق وإن أبت المنى … أنا تفرقنا لغير لقاء

جرحوا صميم القلب حين تحملوا … الله في جرح بغير شفاء

ألطيب المحمود من عمري مضى … والمفتدى بالروح من خلصائي

لا بل هما مني جناحا طائر … رميا ولم يك نافعي إخطائي

ألصاحبان الأكرمان توليا … فعلام بعد الصاحبين ثوائي

لم يتركا برداهما غير الشجى … لأخيهما ما دام في الأحياء

وحيالي الخلطاء إلا أنني … متغرب بالعهد في خلطائي

أيراد لي من فضل ما مجدا به … إرث إذن جهل الزمان وفائي

إن نحي بالذكرى فلا تبديل في … صفة ولا تغيير في الأسماء

يا صاحبي غدوت منذ نأيتما … أجد الحياة ثقيلة الأعباء

لا ليل عافية هجعت به ولا … يوم نشطت به من الإعياء

أنا واحد في الجازعين عليكما … وكأنما ذاك البلاء بلائي

فإذا بدا لكما قصوري فاعذرا … أو شفعا لي مسلفات ولائي

مهلا أمير الشعر غير مدافع … ومعز دولته بغير مراء

كم أمة كانت على قدر الهوى … ترجوك ما شاءت لطول بقاء

متمكنا من نفسها إيمانها … إن لم تكن ممن حيوا لفناء

فإذا المنايا لم تزل حرب المنى … وإذا الرزيئة فوق كل عزاء

في مصر بل في الشرق منها لوعة … سدت على السلوان كل فضاء

أترى مويجات الأثير كأنها … حسرى بما تزجي من الأنباء

بعث الشرار بها ثقالا لو بدا … ما حملت لبدت نطاف دماء

جزع الكنانة كاد لا يعدو وأسى … أم القرى ومناحة الفيحاء

وبحضرموت على تنائي دارها … شكوى كشكوى تونس الخضراء

بالأمس كان هواك يجمع شملها … في فرقة النزعات والأهواء

واليوم فت رداك في أعضادها … ما أجلب البأساء للبأساء

أفدح بما يلقاه آلك إن يكن … جزع الأباعد جل عن تأساء

حرموا أبا برا نموا وترعرعوا … من جاهه في أسمح الأفياء

وكفقدهم فقد الغرانيق العلى … علم الهدى للفتية النجباء

وكرزئهم … رزئ الرجال مرجبا عف اللسان مهذب الإيماء

يتناولون من الصحائف وحيه … فتكون كل صحيفة كلواء

ما عشت فيهم ظلت بلبل أيكهم … في الأمن والرئبان في اللاواء

لك جوك الرحب الذي تخلو به … متفردا والناس في أجواء

عذلوك في ذاك التعزل ضلة … إن التعزل شيمة النزهاء

ما كان شغلك لو دروا إلا بهم … لكن كرهت مشاغل السفهاء

ولعل أعطفهم عليهم من دنا … بالنفع منهم وهو عنهم ناء

أحللت نفسك عند نفسك ذروة … تأبى عليها الخسف كل إباء

فرعيت نعمتك التي أثلتها … ورعيت فيها جانب الفقراء

تقني حيائك عالما عن خبرة … إن الخصاصة آفة الأدباء

وترى الزكان لذي الثراء مبرة … منه به ووسيلة لزكاء

كم من يد أسديتها وكسوتها … متأنقا لطف اليد البيضاء

عصر تقضى كنت ملء عيونه … في أربعين بما أفدت ملاء

يجلو نبوغك كل يوم آية … عذراء من آياته الغراء

كالشمس ما آبت أتت بمجدد … متنوع من زينة وضياء

هبة بها ضن الزمان فلم تتح … إلا لأفذاذ من النبغاء

يأتون في الفترات بوعد بينها … لتهيؤ الأسباب في الأثناء

كالأنبياء ومن تأثر إثرهم … من علية العلماء والحكماء

رفعتك بالذكرى إلى أعلى الذرى … في الخلد بين أولئك العظماء

من مسعدي في وصفها أو مصعدي … درجات تلك العزة القعساء

ومطوع لي من بياني ما عصى … فأقول فيك كما تحب رثائي

لي فيك من غرر المديح شوارد … أدت حقوق علاك كل أداء

ووفت قوافيها بما أملى على … قلمي خلوص تجلتي وإخائي

ماذا دهاني اليوم حتى لا أرى … إلا مكان تفجعي وبكائي

شوقي لا تبعد وإن تك نية … ستطول وحشتها على الرقباء

تالله شمس لن تغيب وإنها … لتنير في الإصباح والإمساء

هي في الخواطر والسرائر تنجلي … أبدا وتغمرهن بالألاء

والذخر أبقى الذخر ما خلفته … من فاخر الآثار للأبناء

هو حاجة الأوطان ما دالت بها … دول من السراء والضراء

سيعاد ثم يعاد ما طال المدى … ويظل خير مآثر الآباء

يكفي بيانك أن بلغت موفقا … فيه أعز مبالغ القدماء

بوأت مصر به مكانا نافست … فيه مكان دمشق والزوراء

ورددت موقفها الاخير مقدما … في المجد بين مواقف النظراء

لك في قريضك خطة آثرتها … عزت على الفصحاء والبلغاء

من أي بحر دره متصيد … وسناه من تنزيل أي سماء

ظهرت شمائل مصر فيه بما بها … من رقة ونعومة ونقاء

ترخيمها في لحنه متسامع … ونعيمها في وشيه متراء

شعر سرى مسرى النسيم بلطفه … وصفا بروعته صفاء الماء

ترد العيون عيونه مشتفة … ويصيب فيه السمع ري ظماء

ويكاد يلمس فيه مشهود الرؤى … ويحس همس الظن في الحوباء

في الجو يؤنس من يحلق طائرا … والدو يؤنس راكب الوجناء

عجبا لما صرفت فيه فنونه … من فطنة خلابة وذكاء

فلكل لفظ رونق متجدد … ولكل قافية جديد رواء

يجلى الجمال به كأبدع ما انجلت … صور حسان في حسان مرائي

ولربما راع الحقيقة رسمها … فيه فما اعتصمت من الخيلاء

حياك ربك في الذين سموا إلى … أمل فأبلوا فيه خير بلاء

من ملهم أدى أمانة وحيه … بعزيمة غلابة ومضاء

متجشم بالصبر دون أدائها … ما سيم من عنت وفرط عناء

للعبقرية قوة علوية … في نجوة من نفسه عصماء

كم أخرجت لأولى البصائر حكمة … مما ألم به من الأرزاء

حتى إذا اشتعل المشيب برأسه … ما زاد جذوتها سوى إذكاء

فالداء ينحل جسمه ونشاطها … بسطوعه يخفي نشاط الداء

جسم يقوضه السقام وهمسها … متعلق بالخلق والإنشاء

عجبا لعاميه اللذين قضاهما … في الكد قبل الضجعة النكراء

عاما نزاع لم تهادن فيهما … نذر الردى وشواغل البرحاء

حفلا بما لم يتسع عمر له … من باهر الإبداع والإبداء

فتح يلي فتحا وصرح باذخ … في إثره صرح وطيد بناء

هذا إلى فطن يقصر دونها … مجهود طائفة من الفطناء

من تحفة منظومة لفكاهة … أو طرفة منظومة لغناء

أو سيرة سيقت مساق رواية … لمواقف التمثيل والإلقاء

تجري وقائعها فتجلو للنهى … منها مغازي كن طي خفاء

فإذا الحياة عهيدها وعتيدها … مزج كمزج الماء والصهباء

تطفو حقائقها على أوهامها … وتسوغ خالصة من الأقذاء

يا من صحبت العمر أشهد مانحا … في الشعر من متباين الأنحاء

إني ليحضرني بجملة حاله … ماضيك فيه كانه تلقائي

من بدئه وحجاك يفتح فتحه … للحقبة الادبية الزهراء

حتى الختام ومن مفاخر مجدد … ما لم يتح لسواك في الشعراء

فأرى مثالا رائعا في صورة … للنيل تملأ منه عين الرائي

ألنيل يجري في عقيق دافق … من حيث ينبع في الربى الشماء

يسقي سهول الريف بعد حزونه … ويديل عمرانا من الإقواء

ما يعترضه من الحواجز يعده … ويعد إلى الإرواء والإحياء

حتى إذا رد الفيافي جنة … فيما علا ودنا من الأرجاء

أوفى على السد الأخير ودونه … قرب المصير إلى محيط عفاء

فطغى وشارف من خلاف زاخرا … كالبحر ذي الإزباد والإرغاء

ثم ارتمى بفيوضه من حالق … في المهبط الصادي من الجرعاء

فتحدرت وكأن منهمراتها … خصل من الأنوار والأنداء

مسموعة الإيقاع في أقصى مدى … جذلى بما تهدي من الآلاء

إن أخطأت قطرا مواقع غيثها … أحظته باللمحات والأصداء

لله در قريحة كانت لها … هذي النهاية من سنى وسناء

رفعتك من علياء فانية إلى … ما ليس بالفاني من العلياء