طِوالُ قَناً تُطاعِنُها قِصَارُ … وَقَطْرُكَ في نَدًى وَوَغًى بحارُ

وَفيكَ إذا جَنى الجاني أنَاةٌ … تُظَنّ كَرَامَةً وَهِيَ احتِقارُ

وَأخْذٌ للحَواضِرِ وَالبَوادي … بضَبْطٍ لَمْ تُعَوَّدْهُ نِزارُ

تَشَمَّمُهُ شَميمَ الوَحْشِ إنْساً … وَتُنْكِرُهُ فيَعْرُوهَا نِفَارُ

وَمَا انْقادَتْ لغَيرِكَ في زَمَانٍ … فتَدْريَ ما المَقَادَةُ وَالصَّغَارُ

فَقَرّحَتِ المَقَاوِدُ ذِفْرَيَيْهَا … وَصَعّرَ خَدَّهَا هذا العِذارُ

وَأطْمَعَ عَامِرَ البُقْيَا عَلَيْهَا … وَنَزّقَها احتِمالُكَ وَالوَقَارُ

وَغَيّرَها التّرَاسُلُ والتّشاكي … وَأعْجَبَهَا التّلَبُّبُ وَالمُغَارُ

جِيادٌ تَعْجَزُ الأرْسانُ عَنْها … وَفُرْسانٌ تَضِيقُ بها الدّيَارُ

وكانَتْ بالتّوَقّفِ عَنْ رَداهَا … نُفُوساً في رَداهَا تُسْتَشَارُ

وكنتَ السّيفَ قائِمُهُ إلَيْهِمْ … وَفي الأعداءِ حَدُّكَ وَالغِرارُ

فَأمْسَتْ بالبَدِيّةِ شَفْرَتَاهُ … وَأمْسَى خَلْفَ قَائِمِهِ الحِيارُ

وَكانَ بَنُو كِلابٍ حَيثُ كَعبٌ … فخافُوا أنْ يَصِيرُوا حيَثُ صارُوا

تَلَقّوْا عِزَّ مَوْلاهُمْ بِذُلٍّ … وَسَارَ إلى بَني كَعبٍ وَسارُوا

فَأقْبَلَهَا المُرُوجَ مُسَوَّمَاتٍ … ضَوَامِرَ لا هُزالَ وَلا شِيارُ

تُثِيرُ عَلى سَلَمْيَةَ مُسْبَطِرّاً … تَنَاكَرُ تَحْتَهُ لَوْلا الشّعَارُ

عَجَاجاً تَعثُرُ العِقْبانُ فِيهِ … كَأنّ الجَوّ وَعْثٌ أوْ خَبَارُ

وَظَلّ الطّعْنُ في الخَيْلَينِ خَلْساً … كأنّ المَوْتَ بَيْنَهُمَا اختِصارُ

فَلَزَّهُمُ الطّرادُ إلى قِتَالٍ … أحَدُّ سِلاحِهِمْ فيهِ الفِرارُ

مَضَوْا مُتَسابِقي الأعْضاءِ فيهِ … لأِرْؤسِهِمْ بأرْجُلِهِمْ عِثَارُ

يَشُلّهُمُ بكُلّ أقَبَّ نَهْدٍ … لِفَارِسِهِ عَلى الخَيْلِ الخِيارُ

وكلِّ أصَمّ يَعْسِلُ جانِبَاهُ … عَلى الكَعْبَينِ مِنْهُ دَمٌ مُمَارُ

يُغادِرُ كُلَّ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ … وَلَبّتُهُ لثَعْلَبِهِ وِجَارُ

إذا صَرَفَ النّهارُ الضّوْءَ عَنْهُمْ … دَجَا لَيْلانِ لَيْلٌ وَالغُبَارُ

وَإنْ جِنْحُ الظّلامِ انجابَ عَنهُمْ … أضَاءَ المَشْرَفِيّةُ وَالنّهَارُ

وَيَبْكي خَلفَهُمْ دَثْرٌ بُكاهُ … رُغَاءٌ أوْ ثُؤاجٌ أوْ يُعَارُ

غَطَا بالعِثْيَرِ البَيْدَاءَ حتى … تَحَيّرَتِ المَتَالي وَالعِشَارُ

وَمَرّوا بالجَبَاةِ يَضُمُّ فيهَا … كِلا الجَيْشَينِ مِنْ نَقْعٍ إزَارُ

وَجاؤوا الصَّحصَحانَ بلا سُرُوجٍ … وَقَدْ سَقَطَ العِمَامةُ وَالخِمارُ

وَأُرْهِقَتِ العَذارَى مُرْدَفاتٍ … وَأُوطِئَتِ الأُصَيْبِيَةُ الصّغارُ

وَقَدْ نُزِحَ الغُوَيْرُ فَلا غُوَيْرٌ … وَنِهْيَا وَالبُيَيْضَةُ وَالجِفَارُ

وَلَيسَ بغَيرِ تَدْمُرَ مُسْتَغاثٌ … وَتَدْمُرُ كاسمِهَا لَهُمُ دَمَارُ

أرادوا أنْ يُديرُوا الرّأيَ فِيهَا … فصَبّحَهُمْ برَأيٍ لا يُدارُ

وَجَيْشٍ كُلّمَا حارُوا بأرْضٍ … وَأقْبَلَ أقْبَلَتْ فيهِ تَحَارُ

يَحُفّ أغَرَّ لا قَوَدٌ عَلَيْهِ … وَلا دِيَةٌ تُساقُ وَلا اعْتِذارُ

تُرِيقُ سُيُوفُهُ مُهَجَ الأعادي … وَكُلُّ دَمٍ أرَاقَتْهُ جُبَارُ

فَكانُوا الأُسدَ لَيسَ لهَا مَصَالٌ … عَلى طَيرٍ وَلَيسَ لهَا مَطارُ

إذا فَاتُوا الرّماحَ تَنَاوَلَتْهُمْ … بأرْمَاحٍ مِنَ العَطَشِ القِفارُ

يَرَوْنَ المَوْتَ قُدّاماً وَخَلْفاً … فَيَخْتارُونَ وَالمَوْتُ اضْطِرارُ

إذا سَلَكَ السّمَاوَةَ غَيرُ هَادٍ … فَقَتْلاهُمْ لِعَيْنَيْهِ مَنَارُ

وَلَوْ لمْ يُبْقِ لم تَعِشِ البَقَايَا … وَفي المَاضي لمَنْ بقيَ اعتِبارُ

إذا لمْ يُرْعِ سَيّدُهُمْ عَلَيْهِمْ … فَمَنْ يُرْعي عَلَيْهِمْ أوْ يَغَارُ

تُفَرّقُهُمْ وَإيّاهُ السّجَايَا … وَيَجْمَعُهُمْ وَإيّاهُ النِّجَارُ

وَمَالَ بهَا على أرَكٍ وَعُرْضٍ … وَأهْلُ الرَّقّتَينِ لهَا مَزَارُ

وَأجْفَلَ بالفُراتِ بَنُو نُمَيرٍ … وَزَأْرُهُمُ الذي زَأرُوا خُوارُ

فَهُمْ حِزَقٌ على الخَابُورِ صَرْعى … بهِمْ منْ شُرْبِ غَيرِهِمِ خُمارُ

فَلَمْ يَسرَحْ لهُمْ في الصّبحِ مالٌ … وَلم تُوقَدْ لَهُمْ باللّيلِ نَارُ

حِذارَ فَتًى إذا لم يَرْضَ عَنْهُمْ … فلَيْسَ بنافِعٍ لَهُمُ الحِذارُ

تَبيتُ وُفُودُهُمْ تَسْرِي إلَيْهِ … وَجَدْواهُ التي سألُوا اغْتِفَارُ

فَخَلّفَهُمْ بِرَدّ البِيضِ عَنْهُمْ … وَهَامُهُمُ لَهُ مَعَهُمْ مُعَارُ

هُمُ مِمّنْ أذَمّ لَهُمْ عَلَيْهِ … كَرِيمُ العِرْقِ وَالحَسبُ النُّضَارُ

فَأصْبَحَ بالعَوَاصِمِ مُسْتَقِرّاً … وَلَيْسَ لبَحْرِ نَائِلِهِ قَرَارُ

وَأضْحَى ذِكْرُهُ في كُلّ قُطْرٍ … تُدارُ على الغِنَاءِ بِهِ العُقارُ

تَخِرّ لَهُ القَبائِلُ ساجِداتٍ … وَتَحْمَدُهُ الأسِنّةُ وَالشّفارُ

كأنّ شُعاعَ عَينِ الشّمسِ فيهِ … فَفي أبْصارِنَا مِنهُ انْكِسارُ

فَمَنْ طَلَبَ الطّعانَ فَذَا عَليٌّ … وَخَيْلُ الله وَالأسَلُ الحِرارُ

يَرَاهُ النّاسُ حَيثُ رَأتْهُ كَعْبٌ … بأرْضٍ ما لِنازِلِهَا استِتَارُ

يُوَسّطُهُ المَفَاوِزَ كُلَّ يَوْمٍ … طِلابُ الطّالِبِينَ لا الانْتِظارُ

تَصَاهَلُ خَيْلُهُ مُتَجاوِبَاتٍ … وَمَا مِنْ عادَةِ الخَيلِ السِّرَارُ

بَنُو كَعْبٍ وَمَا أثّرْتَ فيهِمْ … يَدٌ لمْ يُدْمِهَا إلاّ السّوَارُ

بهَا مِنْ قَطْعِهِ ألَمٌ وَنَقْصٌ … وَفيها مِنْ جَلالَتِهِ افتِخارُ

لَهُمْ حَقٌّ بشِرْكِكَ في نِزَارٍ … وَأدْنَى الشّرْكِ في أصْلٍ جِوارُ

لَعَلّ بَنيهِمِ لِبَنيكَ جُنْدٌ … فأوّلُ قُرّحِ الخَيلِ المِهَارُ

وأنْتَ أبَرُّ مَنْ لَوْ عُقّ أفنى … وَأعْفَى مَنْ عُقُوبَتُهُ البَوَارُ

وَأقْدَرُ مَنْ يُهَيّجُهُ انْتِصارٌ … وَأحْلَمُ مَنْ يُحَلّمُهُ اقتِدارُ

وَمَا في سَطْوَةِ الأرْبابِ عَيْبٌ … وَلا في ذِلّةِ العُبْدانِ عَارُ