شفها السَّيرُ والأسى والغرامُ … ويراها الإنجادُ والإتهام

كم فرتْ مهمهاً وجابتْ قفاراً … واشتكتها الأوهاد والأعلام

فترفَّقْ بها فإنَّ حشاها … لو تأمَّلتها جوى ً وغرام

جعلتْ وردها من الماء عبّأً … أفيطفى من الدموع ضرام

كم ألمَّت بنا على آل ميٍّ … ونبا من دروسها الآلام

يوم لاح الحمى فقلت لصحبي … هذه دارهم وتلك الخيام

فنثرنا من الهوى عبراتٍ … فحسبنا أنَّ الدموعَ ركام

كلَّمتنا الديار وهي سكوتٌ … إنَّ بعضاً من السكوت كلام

ذكَّرَتْنا بها وما دام عيشاً … أَيُّ عيشٍ دامت له الأَيام

ما عَلِمنا حتى کنقضت وتولَّتْ … أنَّ أيامنا بها أحلام

إذ جلونا من الحميّا عروساً … بنت كرم لها الزجاج لثام

يا لها ساعة ً بمجلس أنس … غاب جام بها وأشْرَفَ جام

ضيَّعَتْها أيدي الحوادثِ منّا … مثلَ ما ضيَّعَ الجميلَ اللئام

نطلب الدهر أنْ يعود وهَيْها … ت يروّى من السَّراب الأوام

وبنفسي ذاك الغرير المفدى … ففؤادي بحيه مستهام

واشتياقي إلى ارتشاف رضاب … حَسَدَتْ ذلك الرضابَ المدام

يا غزالاً فدى ً لعينك قلبي … نظراتٌ أرسلتها، أمْ سهام؟

همتُ وجداً ودبتُ فيك هياما … وقليلٌ على هواك الهيام

كيف تخفى سريرة ُ الحبِّ عنكم … وأخو الوجد دَمْعُه نمّام

ظعنَ الركب ضحوة ً وأراني … لم يطب لي بعد الحبيب مقام

فاترك الهزل يوم جدَّ بجدِّ … إنْ هزل المقام بالشهم ذام

واطلب العزَّ بالقنا والمواضي … إنّما العزّ ذابل وحسام

فمرام المنى ونيل المعالي … بسوى البيض والقنا لا يرام

وتمسَّك بسَمْهريّ وشيج … فالعوالي إلى المعالي زمام

وکقتحمها إذا نَبَتْ بك يوماً … فأرى المجد بابه الاقتحام

وکدفع الشرّ إنْ عَلِمتَ بشرٍّ … ربَّما يدفع السَقامَ السقامُ

فمتى تكبر العزائم بأساً … صَغُرَتْ عندها الأمور العظام

وَتَقَلَّدْ بالرأي قبل المواضي … ليس يجدي بغير رأي صِدام

ربَّ رأي بالخطب يفعل مالا … يفعل السَّمْهريُّ والصمصام

وکحْذِر الغَدْرَ من طباع لئيم … عنده الغدر بالصديق ذمام

وادَّخر للوغى مقالة َ حربٍ … لا تقوّي الأجسام إلاّ العظام

لا تلومي فتى ً يخوض المنايا … كلُّ جبنٍ من الحِمام حِمامُ

واصبري فالأسى سحابة ُ صيفٍ … وَلِرَبّي بأمره أحكام