يا أيُّها العالي الغفورُ الصفوحْ … هل ترحم القمَّةُ ضعْف السُّفوحْ

تاجُك في النور غريقٌ وفي … عرشك غبَّى كل نجمٍ صَدُوحْ

وأين هامات الربى نُكِّسَتْ … من هامةٍ فوق مُنيفِ الصُّروحْ؟

وأين أوراقٌ خريفيّةٌ … أرْجَحَها الشكُّ فما تستريحْ

من باسقٍ راسٍ به خضرَةٌ … ثابتةُ الرأي على كل ريحْ

بَرئتَ من هذي الوهادِ التي … نَغْدُو على أنّاتِها أو نروحْ

وأين في مبتسمات الذرى … برق الأماني من وميض الجروحْ؟

أصغِ لهذي الأرضِ واسمعْ لما … تشكو، لمن غيرك يوماً تبوحْ؟

تطفو على طوفان آلامها … وأين في آلامها فُلْكُ نوح

أروع شيء صامت في العُلى … أفصح مفْضٍ بالبيانِ الصريحْ

يعيِّر الأرضَ إذا أظلمتْ … بما على مفرقِه من وضوح

هل تسخرُ الحكمةُ مما بنا … من نزواتٍ وعنانٍ جَموحْ

حمقى، قُصارى كل غاياتنا … عزمٌ مَهيضٌ وجناحٌ كسيحْ

أُعيذ عدل الحقِّ من ظلمنا … فكم على القِيعان نسْر جريحْ

أنت له كل الحِمى المرتجى … وكلُّ مبغاه إليك النزوحْ

ما النسر إلا راهبٌ في العُلى … محرابُه وجهُ السماءِ الصبيحْ

وقلبها السَّمْح فما حطَّه … على الثرى الجهم الدميمِ الشحيحْ

على الثرى حيث تسابيحُه … نوح الحزانى ونداء القروحْ

مبتهلٌ باك بدمع الأسى … على الليالي وسقيم طريحْ

ما أتعس الأرضَ بعُبَّادها … تبْهِجُ من أخلاطِهم ما تُبيحْ

قد أنكرَ الهيكلُ زوَّارَه … وأصبح الديرُ غريبَ المُسوحْ

لم يعرف الجسمُ خلاصاً به … من كدرةِ الطين ولم تنجُ روحْ

يا سيِّد القمّةِ أنصِتْ لنا … لا يعرفُ الأشفاقَ قلبٌ مُشيحْ

وانظرْ إلى اسِّكين في ساحةٍ … قد زمجرتْ فيها دماء الذَّبيحْ

واسكبْ نَدَى الحبِّ بأفواهِنا … كم من بَكِيٍّ وظَمِيٍّ طليحْ

فربما يُشرقُ بعد الضّنى … وجهٌ مليح وزمانُ مليحْ