إنّي عرفت من الإنسان ما كانا … فلست أحمد بعد اليوم إنسانا

بلوته و هو مشتدّ القوى أسدا … صعب المراس و عند الضّعف ثعبانا

تعود الشّرّ حتّى لو نبت يده … عنه إلى الخير سهوا بات حسرانا

خفه قديرا و خفه لا اقتدار له … فالظّلم و الغدر إمّا عزّ أو هانا

القتل ذنب شنيع غير مغتفر … و القتل يغفره الإنسان أحيانا

أحلّ قتل نفوس السائمات له … و الطير و القتل قتل حيثما كانا

أذاق ذئب الفلا من غدره طرفا … فلا يزال مدى الأيام يقظانا

و نفّر الطير حتّى ما تلمّ به … إلاّ كما اعتادت الأحلام و سنانا

سروره في بكاء الأكثرين له … و حزنه أن ترى عيناه جذلانا

كأنّما المجد ربّ ليس يعطفه … إلاّ إذا قدّم الأرواح قربانا

هو الذي سلب الدّنيا بشاشتها … وراح يملأها همّا و أحزانا

لا تصطفيه و إن أثقلته منّنا … يعدو عليك و إن أولاك شكرانا

قالوا ترّقى سليل الطّين قلت لهم … ألآن تمّ شقاء العالم الآنا

إنّ الحديد إذا ما لان صار مدى … فكن على حذر منه إذا لانا

و المرء وحش و لكن حسن صورته … أنسى بلاياه من سمّاه إنسانا

قد حارب الدّين خوفا من زواجره … كأنّ بين الورى و الدّين عدوانا

ورام يهدم ما الرحمن شيّده … و ليس ما شيّد الرّحمن بنيانا

إنّي ليأخذني من أمره عجب … أكلّما زاد علما زاد كفرانا ؟

و كلّما انقادت الدّنيا و صار له … زمامها انقاد للآثام طغيانا ؟

يرجو الكمال من الدّنيا و كيف له … نيل الكمال من الدّنيا و ما دانا ؟

إذا ارتدى المرء ما في الأرض من برد … و عاف للدّين بردا عاد عريانا

هو الحياة التي ما غادرت جسدا … إلاّ اغتدى الميت أحيامنه وجدانا

و هو الضّياء الذي يمحو الظّلام فمن … لا يهتدي بسناه ظلّ حيرانا

و المنهل الرائق العذب الورود فمن … لا يسقي منه دام الدّهر عطشانا

ليس المبذّر من يلقي دراهمه … إنّ المبذّر من للدّين ما صانا

ليس الكفيف الذي أمسى بلا بصر … إنّي أرى من ذوي الأبصار عميانا